محمد حسين علي الصغير

188

المبادئ العامة لتفسير القرآن الكريم

الضال ، وما يصاحبها من وجل وتحوير وتحويل ، وما يكتنفها من غموض وإبهام وإيهام ، وما فيها من لف ودوران واضطراب ، تأبى كل ذلك ولا تسيغه العقول والأذهان ، رغم كل الدلائل القائمة على بطلانها ، والآيات التالية تحرر طبيعة الغابرين من الأمم ، لمقايستها بطبيعة التالين لهم بمقتضى العرض البياني لواقع الحال : وَكَذلِكَ ما أَرْسَلْنا مِنْ قَبْلِكَ فِي قَرْيَةٍ مِنْ نَذِيرٍ إِلَّا قالَ مُتْرَفُوها إِنَّا وَجَدْنا آباءَنا عَلى أُمَّةٍ وَإِنَّا عَلى آثارِهِمْ مُقْتَدُونَ ( 23 ) قالَ أَ وَلَوْ جِئْتُكُمْ بِأَهْدى مِمَّا وَجَدْتُمْ عَلَيْهِ آباءَكُمْ قالُوا إِنَّا بِما أُرْسِلْتُمْ بِهِ كافِرُونَ ( 24 ) فَانْتَقَمْنا مِنْهُمْ فَانْظُرْ كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ الْمُكَذِّبِينَ ( 25 ) . والأمور تقاس بنظائرها ، فكما كان الأقدمون يهرفون بما لا يعرفون ، دون روية ودراية وتمييز فكذلك قومك يا محمد ، فما إن يتقدم النذير من اللّه بحجته حتى يصك بدعاوى المترهلين من أهل البذخ والسرف ، والمتذبذبين من دعاة العبث واللهو ، بأنهم قد اقتدوا بمن سبقهم من الآباء ، وهو تكرار مقيت لما يتذرعون به من تقليد الآباء ، والجمود في الآراء « والتقليد قبيح بموجب العقل لأنه لو كان جائزا للزم فيه أن يكون الحق في الشيء ونقيضه ، فيكون عابد الوثن يقلد أسلافه ، وكذلك يقلد أسلافه اليهودي والنصراني والمجوسي ، وكل فريق يعتقد أن الآخر على خطأ وضلال . . . فإذن لا بد من الرجوع إلى حجة عقل أو كتاب منزل من قبل اللّه » . ولقد كانت الحجة البرهانية أقوى دليلا ، وأكثر شمولا ، وألطف استدعاء ، بل وأحق أن تتبع . إنه الغرور المتناهي والصلف الوقح ، أن يقابل هذا الحجاج المنطقي الرصين بالجحود والكفران نتيجة جهل وإصرار وعناد ، لذلك فقد قابل اللّه ذلك بالوعيد المرعب فَانْتَقَمْنا مِنْهُمْ فَانْظُرْ كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ الْمُكَذِّبِينَ ( 25 ) . إنه لقول فصل ، وحكم عدل ، أن يتلقفهم الانتقام بشتى مراحله : الجوع ، الفقر ، القتل ، السبي ، الإبادة ، الطوفان ، الجلاء ، عذاب الاستئصال ، القضاء المبرم ، ولا نافخ نار .